الشيخ محمد رشيد رضا

12

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أفراد معينين من أحبارهم ، وهم الذين اقترحوا ذلك - أقوال ، وقيل أرادوا أن ينزل عليهم كتاب شريعة هذا النبي جملة واحدة كالألواح التي جاء بها موسى . وفي هذا المقام نقول اننا نجد في كثير من كتبنا ان التوراة نزلت على موسى كلها جملة واحدة في وقت واحد وكذلك نزل الإنجيل على عيسى عليهما السّلام ، وبنوا على هذا ان اليهود طلبوا من النبي ( ص ) ان ينزل عليهم شريعته كلها جملة واحدة في وقت واحد كالتوراة . والظاهر أن هذا مما كان يغش به اليهود المسلمين ، فالمعروف في التوراة التي عندهم ان الذي جاء به موسى من عند اللّه تعالى جملة واحدة هو الوصايا العشر منقوشة في لوحين . جاء بهما في المرة الأولى فلما رآهم قد عبدوا العجل المصنوع من الحلي في غيبته غضب وألقى اللوحين فكسرهما ، ثم أمره اللّه تعالى بأن ينحت لوحين آخرين من الحجر وكتب له فيهما تلك الوصايا ( راجع الفصل 24 والفصل 31 من سفر الخروج ) وأما سائر الأحكام فقد كانت توحى إلى موسى ( ص ) في أوقات متعاقبة ، ولم تنزل عليه مكتوبة جملة واحدة ، يقول اللّه تعالى يسألك أهل الكتاب هذا على سبيل التعنت والتعجيز لا بقصد طلب الحجة لأجل الاقتناع ، وان تعجب أيها الرسول من سؤالهم وتستنكره وتستكبره عليهم ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً سأله ذلك سلف هؤلاء الذين يسألونك ان تنزل عليهم كتابا من السماء ، وانما الخلف والسلف في الصفات والاخلاق سواء ، لان الأبناء ترث الآباء ، والإرث يكون على أشده وأتمه في أمثال هؤلاء اليهود الذين يأبون مصاهرة الغرباء ، على أن سنة القرآن في مخاطبة الأمم والحكاية عنها معروفة مما تقدم في شأن اليهود كغيرهم . وهو أن الأمة لتكافلها وتوارثها واتباع خلفها لسلفها تعد كالشخص الواحد فينسب إلى المتأخرين منها ما فعله المتقدمون . ويمكن جريان الكلام هنا على طريق الحقيقة بصرف النظر عن هذه السنة . وذلك ان كلا من السؤالين مسند إلى جنس أهل الكتاب وهو لا يقتضي ان يكون الافراد الذين اسند إليهم السؤال الأول عين الافراد الذين أسند إليهم السؤال الثاني .